الصحراء زووم : إسماعيل الباردي
استقبلت العاصمة الجزائرية بحر الأسبوع الجاري وزراء خارجية ثلاث دول إفريقية وازنة هي إثيوبيا، نيجيريا، وجنوب إفريقيا، حيث أجروا محادثات مع وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، وذلك في سياق إقليمي متغير يشهد تصدعا واضحا في جبهة الدول الداعمة لأطروحة جبهة البوليساريو على الساحة الإفريقية.
وما كان لافتا في البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الجزائرية التي أشارت إلى المواضيع والملفات التي تناولها عطاف مع نظرائه الأفارقة، هو الغياب الكامل لأي إشارة إلى نزاع الصحراء، رغم أن الدول الثلاثة تعد من الدول الإفريقية التي لا زالت تحتفظ بعلاقات مع الجبهة، وهو ما يطرح تساؤلات حول خلفيات هذا التغييب غير المعتاد.
وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية في ظرف إفريقي يتسم بتحولات عميقة في مقاربة ملف الصحراء، حيث لم تعد أطروحة البوليساريو تحظى بالزخم ذاته داخل القارة، كما كان عليه الأمر في العقود الماضية، فقد شهدت السنوات الأخيرة دينامية دبلوماسية مغربية قوية، تمثلت في افتتاح قنصليات وتمثيليات دبلوماسية لعدد من الدول الإفريقية في الأقاليم الجنوبية، إلى جانب إعلان دعم متزايد من عواصم إفريقية بارزة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها الحل الواقعي الوحيد لهذا النزاع الإقليمي.
وقد بدأت ملامح هذا التحول تتجلى بوضوح، حيث شرعت دول كانت تعد حتى وقت قريب من أبرز المدافعين عن أطروحة جبهة البوليساريو، في مراجعة مواقفها أو تقليص حدة خطابها، بينما ذهبت دول أخرى أبعد من ذلك، مثل كينيا، التي عبرت صراحة عن دعمها للمبادرة المغربية، وأنغولا التي أعلنت تأييدها للجهود التي تقودها الأمم المتحدة بهدف إيجاد حل سياسي واقعي متوافق بشأنه للنزاع.
في السياق ذاته، تبرز نيجيريا، القوة الاقتصادية الكبرى في غرب إفريقيا، كمثال على هذا التحول، فبعد أن كانت من الداعمين التقليديين للجبهة، أصبحت اليوم شريكا استراتيجيا للمغرب في مشروع أنبوب الغاز العابر للقارة، وهو مشروع جيو-اقتصادي ضخم يفرض تنسيقا مستمرا بين الرباط وأبوجا، بما يشمل، بشكل غير مباشر، قضايا إقليمية كملف النزاع الإقليمي حول الصحراء.
أما إثيوبيا، التي ترتبط بالبوليساريو والتي تحتضن مقر الاتحاد الإفريقي، فقد شهدت علاقاتها مع المغرب تطورا ملحوظا منذ عودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي، ترجم في سلسلة من اللقاءات الثنائية، وتفعيل آليات التعاون الاقتصادي، بما في ذلك استثمارات مغربية في قطاعات حيوية، في مؤشر على توجه جديد داخل أديس أبابا لإعادة تموقعها الاستراتيجي إزاء قضايا القارة.
وفي جنوب إفريقيا، التي تمثل أبرز المعاقل السياسية الداعمة للبوليساريو، سجلت الساحة السياسية داخلها تطورا غير مسبوق، تمثل في زيارة الرئيس السابق جاكوب زوما إلى المغرب، وإعلان حزبه دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية، وهو موقف شكل اختراقا مهما، من شأنه أن يحدث تفاعلات إضافية داخل المشهد السياسي الجنوب إفريقي.
وفي ظل هذه التغيرات، فإن غياب أي إشارة إلى نزاع الصحراء في البيانات الرسمية للخارجية الجزائرية، رغم مركزية هذا الملف في العقيدة الدبلوماسية الجزائرية، طرح علامة استفهام كبيرة، حول ما إذا كان هذا الصمت يعكس وعيا متناميا بأن خطاب دعم البوليساريو بات عبئا دبلوماسيا يصعب ترويجه في السياق الإفريقي الحالي، حتى مع الدول التي لا زالت تحتفظ بعلاقات مع الجبهة، أم أن الأمر يتعلق بنقاشات خلف الكواليس بشأن مستقبل الدعم الإفريقي لجبهة البوليساريو، وجدوى استمراره في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة، التي تصب في مصلحة المبادرة المغربية، وخيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وما يعزز من هذا الطرح، هو الدعم الدولي المتنامي والمتسارع لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، ولمبادرة الحكم الذاتي المغربية، من قبل قوى دولية كبرى على غرار الولايات المتحدة، فرنسا، إسبانيا، ألمانيا، والمملكة المتحدة، إلى جانب دعم واسع من دول أميركا اللاتينية وآسيا فضلا عن العالم العربي والإسلامي، وقد بات واضحا أن هذه المبادرة تكتسب زخما باعتبارها الإطار الوحيد الجدي والواقعي لتسوية النزاع.
وأمام هذا الاصطفاف الدولي خلف الرؤية المغربية، تبدو العديد من العواصم الإفريقية التي لا زالت تحتفظ بعلاقات مع البوليساريو، أكثر ميلا لتكييف مواقفها بما ينسجم مع هذه التحولات، حماية لمصالحها الاستراتيجية وتفاديا للعزلة، في وقت تتآكل فيه شرعية أطروحة البوليساريو يوما بعد يوم، في مقابل ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كخيار جاد وموثوق، يحظى بإجماع متزايد، باعتباره السبيل الوحيد لوضع حد نهائي لهذا النزاع المزمن في القارة الإفريقية.